أهي رائحة دم أم زئبق؟
سوالف عن النظام القيصري و نبذة عن الجنون إذا استحوذ على العرش
أهلاً أهلاً! كيف الحال؟
مجدداً، و للمرة المليون، عيدٌ مبارك!
كلامنا اليوم سيكون دسِمًا، مُثقلاً بالأحداث التاريخية. لذلك جهّزوا أنفسكم!
ما قبل القصة:
في بداية القرن الثالث عشر، وصل الغزو المغولي إلى شرق أوروبا، بما في ذلك ما يسمى الآن بأراضي روسيا. أُطلِق على هؤلاء الغزاة في روسيا اسم "التتار"، رغم أن التسمية الأصلية تشير لشعوب تركية، لكنها أصبحت تطلق على القوات المغولية-التركية المختلطة التي غزت المنطقة. بعد الغزو، تأسست القبيلة الذهبية، وهي كيان مغولي تتاري، وفرضت الجزية على الدوقيات الروسية (التي كانت روسيا وقتها مقسّمة إليها، وكان بينها صراع دائم على النفوذ). إلا أنّه سُمِح لدوقية موسكو و التي أصبحت دوقية روس الكبرى بعد سقوط دوقية كييف على يد المغول، والتي كانت تغطي نطاق مدينة موسكو الحالية، من طرف حكام القبيلة الذهبية أن تكون وسيطة بينهم وبين الدوقيات الأخرى، الشيء الذي منحها سلطة سياسية واقتصادية متصاعدة.
و استمرّ الوضع على هذا الحال، إلى أن تمت وقفة أوغا سنة 1480، أين توقفت موسكو بقيادة إيفان الثالث عن منح الجزية، فاتجهت القبيلة الذهبية بقيادة أحمد خان إلى ضفاف نهر أوغا. كان هذا الأخير بانتظار الدعم مِن الليتوانيين الذين توَلّوا عنه في اللحظة الحاسمة، ما أتاح فرصة التحرّر لموسكو. و هكذا، لم تخض موسكو معركة فعلية، لكنها خرجت منتصرة بلا قتال. وسرعان ما بدأت في التوسّع، ما زاد نفوذها، فارتفعت مساحة دولة موسكو في عهد إيفان الثالث من حوالي 400 ألف كيلومتر مربع إلى ما يزيد عن مليوني كيلومتر مربع. و في عهده بدأ يظهر مصطلح "روسيا" بشكل أوضح في الوثائق الرسمية.
و مع أنّ إيفان الثالث كان يحبّ أن يسمي نفسه قيصرًا، كما قيل في "ويكيبيديا":
وأمر إيفان الثالث بأن يلقبونه بالأمير المعظم لموسكو والقيصر لعموم روسيا. واعترفت بهذا اللقب ليتوانيا عام 1494. وتم في عهده اعتماد شعار جديد لدولة موسكو، وهو نسر ذو رأسين، الأمر الذي كان يعني آنذاك أن موسكو تعتبر نفسها روما الثالثة، أو بالأحرى وارثة للقسطنطينية الساقطة وروما المهدمة، على حد تعبير فيلوفيه الراهب من مدينة بسكوف.
حيث أن بذور القيصرية زُرعت في عهده، وبدأت تنبت خجولة بين الشعارات والألقاب المترددة، إلا أن هذه التسمية لم تخرج إلى العلن بكامل هيبتها. وحتى فاسيلي، الذي ورث الحذر الإمبراطوري عن والده بعد موته، واصل التلويح بها دون أن ينطقها. كانت القيصرية آنذاك كفكرةٍ تهمس في أروقة الحكم، تتخفّى خلف النسر ذي الرأسين الذي أصبح شعار موسكو الجديد، وريثة روما العظيمة، وتنتظر من يمنحها صوتًا.
صراع روتيني على العرش
مرّت السنون، تِباعًا، ازداد فيها نفوذ موسكو و توفي فيها إيفان الثالث ليحكم بعده ابنه فاسيلي الثالث. و في سنة 1533، توفّي هذا الأخير تاركا ابنه "إيفان االرابع" و هو في ربيعه الثالث. لذلك كانت "إيلينا" أم "إيفان" المسؤولة على العرش إلى جانب صفوة من الارستقراطيين تسمى "البويار". لم تكن الحياة وردية طبعا فأطماع السلطة كانت تحف ذلك العرش الخالي من كل صوب. فمن النبلاء, كانت عائلتا "شويسكي" و "غلينسكي" و غيرهما تتربص بالعرش. وفي هذه الفترة تلقى إيفان معاملة قاسية ممن حوله منهم و احتقارا و حربا نفسية كانت من فصولها مقتل والدته بالسم و هو في الثامنة, ما ترك في نفسه غلا للبويار سيظهره الزمن.
و تولى أمر اتخاذ القرار البويار بعد وفاة "إلينا" إلى أن بلغ "إيفان" الرابعة عشر. و طول هذه الفترة, انشغل هذا الأخير بالعلم الذي كان شغوفا به. و رغم أنه كان يحب أن يكون متدينا أرثودوكسيا, إلا أنه كان يتلذذ بالتعذيب و الاغتصاب من حين لآخر في المدينة خلسة. و هكذا بدأ يتجلى ميوله العنيف الذي كان مخلفا لأطماع فاسدين.
القيصرية الروسية
كما قلنا سلفا, كان إيفان منشغلا بالتعلم, و خاصة عن الروم, فاستفاض شغفا بأمجاد أجداده الروم و خاصة بفكرة القيصرية. و ما إن بلغ الرابعة عشر,أصبح دوق موسكو الكبير, وفي السادسة عشرة, أعلن نفسه قيصرا. قد تسألون أنفسكم ما الفرق أصلا؟ والجواب أن القيصرية تمنح صاحبها سلطة أكبر فهو يمثل بنظرهم الخاطئ سلطة الاله على وجه الارض. فهي مثابة شرعية دينية و سياسية تمنح للحاكم. و أطلق على دولته القيصرية الروسية, التي اعتبرها خليفة و وريثة للقسطنطينية.
لم يخل عهد إيفان من الأحداث المفصلية, ففي سنة تتويجه شب حريق في موسكو خلف العديد من الخسائر, و نتيجة لهذا, اتهم الشعب عائلة زوجته بالشعوذة. و تصاعدت الأوضاع, حتى أنه اندلعت ثورة شعبية كادت تُسقط الحكم و حاربت البويار و خربت بيوتهم. و بعد سنتين من الحادثة, 1549 إذا ضيعتكم بالتواريخ, أنشأ هيئة تشبه البرلمان سميت بالمجلس المختار, ولو أن دورها كان يقتصرعلى دعم القيصر و التصفيق لقرارته. وقاد حروبا توسعية ضخمة ضد التتار في قازان وأستراخان، وضمّها لروسيا حيث كان ينسف أي أثر من الفتوحات الاسلامية فيها و يحطم المساجد ليبني كنائس مكانها.
في عام 1558، بدأ القيصر إيفان الرابع الحرب الليفونية بعد أن رفض اتحاد الليفونية دفع الضرائب لروسيا. وكان هناك اتحاد أوسع ضم بولندا ولتوانيا والسويد والذين دخلوا في الحرب ضد روسيا. وأصبحت الحرب طويلة الأمد وباهظة التكلفة. حيث تم شن الغارات ضد روسيا على يد تتار القرم والغزاة البولنديين والليتوانيين وضربها المجاعات والحصار التجاري وتصاعُد تكاليف الحرب.
و في 1564, وقع خلاف بين إيفان و أحد المستشارين و هو أندريه كوربسكي. و انظم أندريه إثر هذا إلى الليتوانيين خصومهم فكان هذا بمثابة خيانة عظمى له.
وبدأ الشك يساور القيصر إيفان في أن الأرستقراطيين الآخرين على استعداد أيضًا لخيانته.
و مع أن إيفان كان يعتبر بالأصل رجلا عنيفا, إلا أن زوجته أنستاسيا كانت مصدر توازنه النفسي. و قد لاحظ أعداؤه من النبلاء هذا, فسرعان ما قاموا بتصفيتها بالسم. و هنا قتلوه بقتل حبه. فانهار إيفان!
خطة!
توالت الضربات التي صوبت لإيفان, و التي كانت تصقل شخصيته الإجرامية شيئا فشيئا. و في نفس سنة خيانة أندريه, حاك مسرحية سياسية من أجرأ ما سجل التاريخ. للإطاحة بما تبقى من خونة, فرغم أن شكوكه كانت في أوجها, إلا أنه لم يستطع التخلص منهم علنا لأن النظام الروسي وقتها كان يمنع الحاكم بالانفراد المطلق بالقرار خاصة إذا كان حكما هاما كالاعدام.
الخطة كالاتي: تخلى عن الحكم!
خرج فجأة من موسكو وأخذ معه الخزينة، الحراس، البويار الذين يثق فيهم، وكأنه "يحج"، وترك العاصمة بلا حكم.
و عند عودته من حجه المزعوم الذي دام شهرا, أصدر رسالتين: الأولى يتهم فيها البويار بالخيانة، ورجال الدين بالتواطؤ معهم. و الثانية يقول فيها للمواطنين أن ليس له أي مشكل معهم، بل مع النخبة فقط.
و بوووم انتشرت الفوضى! خاف البويار، موسكو تخوّفت من انهيار السلطة. حتى أن مبعوثين من موسكو ذهبوا لترجيه للرجوع. ليس حبا فيه إنما لتهديء الأوضاع فلم يكن هناك حل اخر.
و بالطبع, وافق إيفان شريطة أن يكون عنده صلاحية مطلقة في منطقة خاصة به اسمها "الأوبرتشينا"، يحكمها بنفسه، يقوم فيها فعليا بما يحب دون أن يحق لأحد بالتدخل.
قيصر و سفاح في أوقات الفراغ!
أسس إيفان شرطة تساعده على الانتقام من ناحية و قذف الرعب من ناحية أخرى و سميت ب"أوبريتشنينا" تكلفت بعمليات اضطهاد بالجملة والإعدام ومصادرة أراضي طبقة النبلاء الروس. كان يستلذ بمشاهدة التعذيب, و تتعالى أصوات ضحكاته كلما زاد صوت عويل الضحية.
يقال أن أسلوبه المفضل كان بكسر ركب الضحايا و تركهم يتمرغون في الجليد.
أكره ما أكره, الخوض في تفاصيل التعذيب, لذلك سأترككم تبحثون وحدكم..إن كانت لديكم نزعة إجرامية.
و ازداد جنون إيفان!
إيفان و ابنه
تزوج إيفان أربعة نساء, و كان همه الأكبر أن يرزق بوريث للعرش, و مع أنه امتلك ثلاثة أولاد, إلا أنه أحب ولده الأكبرإيفان إيفانوفيتش أكثر, لأنه كان يشبه والده كثيرًا في الحزم، لكنه أقل تطرفًا.
و في أحد الأيام سنة 1581،, التقى إيفان الرهيب بزوجة ابنه إيفان إيفانوفيتش الحامل, و ادعى أن ما تلبسه غير لائق فانهال عليها بالضرب بصولجانه المدبب حتى يقال أنه قتل جنينها, و ما إن لاحظ ابنه حتى هب ليحميها, لكن الأب حول عنفه لابنه, فأكمل ضربه المبرح إلى أن أرداه قتيلا. و استوعب إيفان جريمته الشنعاء ما إن سكن جسد ابنه و انقطعت أنفاسه و اكتسحت دماؤه المكان. فما كان له إلا البكاء و احتضان الجثة.
صور المشهد الفنان إليا ريبين سنة 1885 متأثرًا بما يحدث في عصره، خاصة القمع والقتل باسم الدولة في روسيا القيصرية. فكانت هذه اللوحة صرخة رمزية ضد الطغيان.
بعد سنتان و نصف تقريبا من مقتل الإبن, أي في 1584, مات الأب أثناء لعبه للشطرنج إثر جلطة دماغية. نهاية هادئة عكس طبيعة شخصيته!
في تسعينيات القرن العشرين، تم تحليل رفات إيفان الرهيب. فوجدو كمية زئبق كبير فيها, في الحقيقة الزئبق كان وقتها يستعمل لعلاج أمراض الجلد -لست متأكدة إن مازال كذلك- و المثير للسخرية أن كميات زئبق كبيرة كهذه تهدد من يتعرض لها للجنون الحرفي. فهل كان إيفان مجنونا أم ضحية الضعف الطبي وقتها بعد كل شيء؟
و هكذا, انتهت القصة! استمتعم؟
للأمانة, التاريخ و الفن بعيدان عن تخصصي. لكنهما قريبان لقلبي, لذلك فإن المعلومات المذكورة نتاج لبحثي الخاص طوال السنوات الماضية لأرضي فضولي.
إن أخطأت فمن نفسي و من أصبت فماهو إلا توفيق من ربي.
دمتم سالمين!



أعيد قراءة نصي الان إذا صادفتم أخطاءا لغوية ريثما أتحقق فحقكم علي
المقال رائع، وربطك للوحة إليا ريبين مذهل بحق، فالفن والأدب والتاريخ ليسوا سوى دائرة متصلة لا نهاية لها، كل واحد منهم يعكس الآخر ويتغذى عليه. التاريخ الروسي بشكل عام شيق للغاية، وهذا ليس صدفة. أحد أسباب هذا التشويق هو أنه يختلف إلى حد كبير عن التاريخ الأوروبي التقليدي، رغم أن شرارته وانطلاقته الأصلية كانت من أوروبا نفسها، وتحديدًا من بيزنطة. الدولة الروسية الحديثة كلها بدأت بجملة واحدة قالها راهبٌ بيزنطي اسمه الراهب فيلوفيه حين “قال روما الأولى سقطت، وروما الثانية (القسطنطينية) سقطت، أما الثالثة (موسكو) فهي باقية، ولن تكون هناك رابعة." بعدها بفترة إيفان الثالث تزوّج صوفيا باليولوج وهي ابنة أخ الإمبراطور البيزنطي الأخير وهو زواج سياسي بامتياز، تغلغل منه الدم البيزنطي إلى عروق البيت الروسي الحاكم، كأنها عملية تبني رمزي للعرش الشرقي بعد سقوطه. ومنها ورث الروس شعار النسر ذي الرأسين من الإمبراطورية البيزنطية حرفيًا، لا مجازًا. مقالك اكثر من رائع