أنثى بالمِلّي
صناعة المرأة المثالية
أهلا أهلا!
كيفكم؟
هلا بالبنات، أخيرًا، أحقّق رغبة كانت تتملّكني لتأنيث خطابي عندما أكتب. لعلّكِ أخيّتي لاحظتِ كثرة الكلام عن جِنسنا بين ناصِحِ و مندّدٍ و داعٍ، جزى الله كلًّا بنيّته. لكنّ ما كان يحزنُني، نبرة الكثير من المتحدّثين من الجنس الآخر، مجدّدًا، جزى الله كلّ واحدٍ منهم بنيّته. لست فقيهة دينية، لست طبيبة نساء، لا أملك من التّجارب الحياتية ما قد يحكّمني، و لكنّني فتاة ضاقت ذرعًا من التّنميط الذي أُنِطنا به كي نفوز بشرف وسمِ "أنثى" يقبلها المجتمع. لذلك اسمعيني و أحكمي بنفسك.
تاريخ قذِر:
يحكى أنّ النّساء كنّ يحترمن و يبجّلن، و يعتبرن رمز الخصوبة فكان النّاس -نعوذ بالله من أن نشرِك به- يشكّلون الآلهة في خيالاتهم و تماثيلهم على شكل إناث، من حضارات الهلال الخصيب إلى شمال إفريقيا و حتّى الإغريق، و لا شكّ أنّكِ تعرفين أثينا آلهة الحرب عند الإغريق و هيرا زوجة زيوس و كانت آلهة الزواج على ما أعتقد. يؤسفني أن أخبركِ أنّ الوضع لم يكن كما يخيّل لكِ. في أثينا، المدينة التي أنجبت الفلاسفة وتغنّت بالحرية، و المثير للسخرية أنّ اسمها كالآلهة المزعومة، كانت المرأة فيها لا شيء سياسيًا، محرومة من التصويت والمشاركة، و حتى الجنسية، لم تكن تملك الحق فيها. و في العصور الوسطى، كانت ترى في المرأة امتدادًا للخطيئة الأولى، تحذّر منها وتجلدها، وتحرقها بتهمة السحر.
آسفة إن كان ما سأقوله سيشوّه نظرتك ولكن، في روما الوثنية، قبل أن تكون مسيحية، كانوا يحتفلون في منتصف فبراير بمهرجان اسمه لوبيركاليا. المهرجان هذا كان مزيجًا من الطقوس الدموية والعادات الغريبة، كانوا يذبحون عنزة، يلطّخون جلودها بالدم، ثم يركض الرجال في الشوارع وهم يجلدون النساء بهذه الجلود "ليجلبوا لهن الخصوبة"!
النساء لم يكنّ إلا أدوات في هذا الطقس، "يُبارَكن" بالدم والجلد، ثم تُنظَّم قرعة لاختيار شريكات مؤقتات للرجال لبقية الاحتفال. نعم، القرعة! هكذا كان "عيد الحب" سلفا : سحب أسماء النساء مثل الجوائز، و احترامًا للذوق العام لن أكمل، فقط إعلمي صديقتي أنّ هذا أصل عيد الحب الذي أخذ اسم قديس مسيحي "فالنتاين" بعدها.
لعلّك لاحظتِ حتّى الآن عزيزتي أنّ قانونًا ما قد تشكّل عبر العصور أساسهُ جهلُ أممٍ سابقة ساندتها الوساوس، و كانت المرأة فيه ضحيّة أحيانًا و كثيرًا مشاركة في الجريمة جنبًا إلى جنب مع الرّجل. و الآن و قد "تحضّرنا"؟ لازالت بواقي هذه القوانين ثابتة، حوّلناها لمعايير للتأنيث. تحبّي أذكّرك بيهم؟
رمزيّات و صور:
التشييء:
المعيار الأوّل: نحن نتحكّم في مظهرك
لعلّك تعرفين رابعة العدوية، نسخة السينما منها؟ لأنّها، صورة أخرى للتشييء. فالقصّة -في الحقيقة- تقول أنّ رابعة كانت بنتًا من عائلة صوفيّة، أحسب أنّ عقيدتها كانت صحيحة بعيدة عن الشوائب المحدثة، فالمتصوّف كان القانت العابد الزاهد في الدّنيا. المهم أنّ والداها توفيا و ساقتها المجريات بإذن الله لأن تصير، و هي طفله، جارية تتلو أشعارها في مقهى سيّدها لا غير، و يسمع مولاها يومًا تضرّعها لله كي تتحرّر فأعتقها.. هذا فقط، و لكنّ السينما أضافت توابلها في فلمها، رقصٌ و مجون و تشييء لها، لا و تمييع هذه الصّورة و تحليتها بسكّر مسموم، فنحن يعمينا التّعاطف فنغفل عن التّضليل الحاصل في القصّة. و لو كانت هي حيّة رحمها الله، تخيّلي كم كانت ستحزن.
مستوعبة كيف أنّ التّسليع أمرٌ عادي؟ لا يخلو إعلان من صورة امرأة، مواقع التّواصل ستنفجر من فيديوهاتٍ و صور يخجل المرء من أن يراها مع نفسه، الذوق يهندَس ليشبع الشهوات، تفصيل الملابس الذي لا أرى ترجمةً له سوى أنّكِ لتكوني جميلة يجب يتوافق جسمك معها، أن يكون شكلك يسمح بأن تظهري ما تظهره قصّات الفساتين، "أن تكوني قادرة على ملء الفستان"، مستوعبه فكرة أنّ فساتين النّوم أصبحت موضة؟ و دعيني أيضا لا أنسى الcoquette core، الذي يبدو عيانًا للغبي أن ما هو إلاّ محاولة أخرى لإظهار المرأة بهذا الشكل. و غيرها و غيرها، دعينا لا نفصّل أكثر.
و هذا ما جعلنا نختزل الأنوثة في طول لا يتعدّى قيمة معيّنة، جعلني و الكثيرات مثلي نخجل من لبس الكعب، و شكل جسم واحد، صحيح، بالمناسبة، تعرفي أنه الخفسة علميًا ما تقدريش تتخلصي منها نهائيًا دون عمليات؟
“The upper leg bone (femur) isn’t a straight line… The ileum — which creates the first curve in the pelvic region — … The femoral neck … and greater trochanter … create the second curve… We all have a space between our ilium, hip socket and greater trochanter. … Whether or not your hip dip is visible depends on how pronounced that space is.
No. You can’t ‘get rid’ of hip dips. You can’t trade in your skeleton for a new one… Exercises and lifestyle can’t correct something that’s anatomical, and hip dips are purely anatomical.”
نلبس مشدّ و كورسيه و نموّه شكل الجسم بلباس معيّن، حتّى أنّني اكتشفت أنّ البعض يكسر عظمتي القفص الصدري الأخيرتين ل"تحسّن قوامها"، بالله هل يستاهل أحد تضرّي نفسك من أجله؟ و إذا تنوين قول "أفعلها من أجلي، لا لأحد" هنا حبيبتي إسمحيلي أقولك "عذر أقبح من ذنب" من يفرح بضرّ نفسه؟
أنتِ بتتبعك ما هو دارج دون تمحيص، و بنشرك، توافقين على تسليعك، و بمحاولتك للوصول للقوام المثالي غير المنطقي تعترفين بأنّهم على حقٍ في هذه المعايير. المهم صحّتك، إذا كان وزنك صحّي مش لازم تقتلي نفسك، عيشي! لا أقصد أنّ الرجال منزّهون، حرفيا، يولعوا! المهم أنتِ.
اه و عزيزتي، إذا تثقين بي، اسمعي نصيحتي، حاولي تستري نفسك، لأنّ جسمك ثمين، و لأنّ الرجال في الشّارع لا يستحقّون جرعة الدّوبامين التي يحضون بها عند رؤية منحنياتك، و مجدّدًا، يولعوا! المهم أنتِ.
و قبل أن ينادي منادٍ بالحريّة، إسمح لي أن أقول أنّك يا سيدي إمّا تطالب لتتمكّن من إطلاق نظرك لعلّك ترضي نفسك، أو تملء جيوبك ممّا جادت عليك الموضة من أموال المتهافتات عليها، أو تهرب من مواجهة ماهو منتشر كالوباء في أوجه، حتّى طغى و تجبّر و أصبح المخطئ يتفاخر بتفتّحه المزعوم و يتجرأ لينعث من لا يوافقه في خطئه بالجاهل، المغسول دماغه ولو أنه أحقّ بهذا اللفظ، و إن كان هناك من سينعتني بهذا لكلامي، فشكرًا، إن كنت جاهلة في نظرك فهذا شرفٌ لي!
“من يطالب بالحريات يتفجر غيظا عند المطالبة بلباس الستر! وكذلك من ينادي بحقوق المرأة يتمعر أنفه عند المطالبة بحق النقاب! هذه الحقيقة الصارخة التي نشاهدها كل يوم تثبت درجة تخبط وطغيان القوم وحقيقة عدائهم!”
-ليلي حمدان
صناعة صورة الفتاة الساذجة:
المعيار الثاني: كوني غبية غير مسؤولة
بعد أن تسببت بسذاجتها في توسّع ثقب الأوزون، و جفاف بحيرات العالم و حروب دامية في كلّ مكان، تنهّدت و قالت:
I’m just a girl 🎀
عزيزتي، إن كنتِ تحبّين أن تبدي غير مسؤولة، صبيانية، غبية، لماذا تقحمين نصف البشرية معك؟
هنا معيارٌ آخر فرضناه، و نشرناه، إن أخطأت بنت منّا، تأخرت عن موعد لها، ساقت بكلّ تهوّر سيّارتها أو أنفقت اللي قدّامها و وراها على شيء تافه، تظهر كارت “I’m just a girl”..
نلبس الوردي و الفيونكات و المجوهرات الرّقيقة، لأنه لازم يكون الترند aesthetically pleasing و إلاّ كيف ينتشر؟
ثمّ تخطئ عن جهل في أسهل معادلة رياضية، لا لأنّها فتاة بل لأنّها تغيّبت عن حصّة الدرس، فيقال لها “girl math”.
نرى امرأة تقوم بشيء ساذج فنضحك و نقول “haha, women ☕”
فاهمة الخلل وين؟ لأنّنا نشيّع الفكرة و نشارك فيها لأنها مضحكة لسبب ما، أو لأنّها محلاّة بسكّر مسموم -مجدّدا- و نحن نحبّ كلّ ما هو برّاق.
و لا ألوم الجيل الجديد إن كبر و معه هذه الفكرة، أن تغيّب البنت دور العقل مقابل الجمال، الجمال المهندس لتشييئها. مع أنّ المجتمع يحتاج لعقلك، نحن نحتاج طبيبات، معلّمات، مدرّبات رياضة.. لم أكن لأئتمن ابنتي لرجل بعد كلّ ما قلت، فالشهادة و التّخصص لا يضمنان استواء النّفس، و سمعت من قصص البنات حولي ما يؤكّد لي هذا. و فوق كلّ هذا، نحتاج أمّهات حكيمات يربّين أجيال لا تشجّع على الكثير من الهراء الحاصل في وقتنا.
أتمنى أن يعود الأطفال أطفالا من جديد، أن يحبّوا الألعاب مجدّدا، و كتب التلوين، و قصص الغولة و الأحصنة المجنّحة و التنانين.
كنت أريد أن أذكر إنجازات النّساء اللائي تمّت سرقتها، ولكنّ هذا المقال كفى ووفى.
عزيزتي المرأة، تحيّة خالصة لك، قد يكون كلامي قاسيا معك، ولكنّني أتكلّم لواقع عشته، و تعيشه النساء في كلّ بقعة، لست نسويّة بكلامي هذا، و إن كنتِ تفكّرين في اتّباع هذا التّيار، أنصحك كأخت لك، أنتِ أذكى من هذا حبيبتي.
تحيّة لكلّ امرأة تناضل، تأبى أن تقبل ما فرض عليها، تحيّة للمحجّبة و المنقّبه التي تواجه وصمة الجهل التي ألصقت بها و ترفع راية علمها عالية بوقار. تحيّة لمريم الأسطرلابي، و فاطمة الفهري، و ماري كوري و الصحابية شفاء و لحبيبتي عائشة و خديجة وأمّهات المؤمنين جميعًا رضي الله عنهن.
تحيّة لكِ عندما تحبّين شعرك كما هو لا تحرقينه بالمكواة يوميًا، لأنّك تهتمّين بصحّتك، برياضتك، ببشرتك، بتعلّمك، بعلاقتك مع الإله، بنظافتك، برائحتك، إن كنت تحاولين أن تكوني سليمة جسديًا متّزنة نفسيًا.
دمتِ سالمة.
ملاحظات:
مجدّدًا، لست نسوية.
ذكري للآلهة الإغريقية القديمة لا يعني أنّني أشيد بشركهم ولو قليلاً، نعوذ بالله من أن نشرك به و نحن نعلم و نستغفره لما لا نعلم.
لا أدعو بخطابي لكره الرّجال، إنّما كره ما آل إليه الوضع، خاصّة في المجتمع الغربي.





❤️❤️❤️❤️❤️❤️
احسنتِ🩷