إحك يا لين: يا زمان الوصل بالأندلسِ
قصص، قصص.. فما الحياة إلّا قصص تروى
أهلاً أهلاً!
عندما نشتاق، نحكي قصص مفقودينا، و عندما نحنّ، نحكي قصص أراضينا، و عندما ننصح، نحكي قصصًا من ماضينا، القصص عملة نتبادلها نحن البشر، الكلّ غنّي في ميزانها، فللجميع جعبة مليئة بالحكايا. لذلك، جئت أحكي لكم قصصًا، قصص كتلك التي تسمعها من جدّتك و أنت طفل، متلحّفا ببطاتية دافئة و الجوّ ممطر و رائحة الخبز في الفرن تعبق حولكم.
المعتمد و اعتماد:
عاش في إشبيلية حاكمٌ اسمه المُؤيَّد باللّه، وهو دون تفصيلٍ ثالث وآخر ملوك بني عَبّاد في الأندلس. يُقال أنّه يومًا كان يتنزّه مع شاعره أبي بكر بن عمّار في مَرْج الفِضّة، وبينما هما على هذا الحال قال: «صَنَعَ الرّيحُ منِ الماءِ زَرَد»، يصف بذلك الريحَ التي صنعت ما يُشبه حلقات الدروع الحديدية من مياه الوادي الكبير الذي يطلّ عليه المرج، منتظرًا من صاحبه أن يُتمّ البيت بشطرٍ ثانٍ من إبداعه. لكنّ ابن عمّار تأخّر في الإجابة، وفجأةً سُمع صوتٌ يقول: «أَيُّ دِرعٍ لقتالٍ لو جَمُدْ». وكان مصدر الصوت جاريةً اسمها اعتماد كانت تغسل الملابس على ضفّة الوادي. فأُعجب بفطنتها واعتقَها ثمّ تزوّجها، حتى إنّه كنى نفسه المعتمد على الله محتذيًا باسمها.
يُحكى أنّ المعتمد كان يدلّل اعتماد حتى قيل إنّها تجرّه إلى التبذير. ففي يومٍ من الأيام رأت أناسًا يمشون على الطين، فأرادت أن تفعل مثلهم، فأمر المعتمد بأن يُسحق لها الطيب وتُغطّى به ساحة القصر كلّها، ثم تُصبّ الغرابيل ويُصبّ الورد عليهما، وقد عُجِن ذلك حتى أصبح كطين، فلعبت هي وجواريها فيه.
ويُحكى أيضًا أنّه شاهدها يومًا تبكي من نافذة القصر وهي تُراقب الثلج و هما في قرطبة، فسألها عن سبب بكائها، فأجابته:
«إنك طاغيةٌ جبّارٌ غشوم! انظر إلى جمال ندف الثلوج البارقة اللينة العالقة بغصون الأشجار، وأنت أيها الناكر للجميل لا يخطر ببالك أن توفّر لي مثل هذا المنظر كلّ شتاء ولا أن تصحبني إلى بلدٍ يتساقط فيه الثلج.»
فسارع المعتمد يجَفف دموعها قائلاً:
«لا تحزني يا سلوةَ النفس ومنيّة القلب، فإني أعدك وعدًا صادقًا أن ترَي هذا المنظر الذي أدخل السرور على قلبك كلَّ شتاء.»
وأمر بزرع أشجار اللوز على جبل قرطبة، فإذا تفتّحت زهورها البيضاء بدت كأنّها ثلوج.
وفي يومٍ غضبت اعتماد فقالت للمعتمد: «والله ما رأيتُ منك خيرًا قط!»
فقال لها مجيبًا مقولته الشهيرة: «ولا يومَ الطّين؟»
فأحجمت واعتذرت.
ولا زالت الأمور على هذا الحال؛ اعتماد تطلب، والمعتمد يُلبّي، وهو يروح ويجيء بين دواوين شاعرَيه: ابن زيدون، الشاعر الوافد من قرطبة محمّلًا ببقايا ذكرياته مع ولّادة، وصديقه ووزيره أبي بكر بن عمّار.
تذكرونه؟ ذاك الذي لم يُكمل القصيدة في أوّل لقاء..خطأٌ جميل، أليس كذلك؟
أتنقذ إشبيلية لعبة شطرنج؟
يُقال إنّ عمّار كان ذكيًّا ذكاءًا فذًّا، حتى إنّ البعض يصف تفكيره بأنّه ميكيافيلي. ولعلّ ما تريدون معرفته عنه، يا رفاق، أنّه كان رفيقًا للمعتمد منذ بداية حكمه، ثم أصبح وزيره وشاعره، وأبدى من الفطنة ما يُميّزه، ولعلّه شيطانٌ متخفٍّ؛ إذ إنّه و هو الصديق الصدوق للمعتمد قد قال:
مما يقبح عندي ذكر أندلس
سماع معتمد فيها ومعتضد
أسماء مملكة في غير موضعها
كالهرّ يحكي انتفاخا صولة الأسد
يُحكى أنّ الملك ألفونسو عزم على الاستيلاء على إشبيلية، وذاعت أصداء هذه الأخبار حتى وصلت إلى قصرنا، فانطلق الأخير بجيشه نحوها، و ابن عمار يفكّر في حلٍّ للقضيّة؛ فهو من عقد عهدًا مع الملك ألّا يقرُب أرضهم، شرط أن يدفعوا الجزية لقشتالة. ففكّر في حبّ ألفونسو للشطرنج، ومضى إلى حرفيٍّ آمرًا إيّاه بصنع رقعة شطرنج مُرصَّعة بالذّهب.
ولمّا كان لقاء أبي بكر بن عمار مع ألفونسو، أظهر رقعته المذهّبة، فلم يُخفِ ضيفه إعجابه بها، فاستغلّ الموقف وعرض عليه أن يباريه عليها؛ فإن فاز كانت له، وإن خسر فهو مدين لعمّار بشيءٍ ما.
وكان الشائع حينها أنّ ألفونسو بارعٌ في اللّعبة، بل إنّ من معه شجّعوه على قبول عرض الوزير، ولو أنّ شرطه لم يكن معروفًا لهم. فما كان منه إلّا أن قبل.. وخسر!
وهكذا عادت إشبيلية إلى المعتمد، دون حرب، بل بجولة شطرنج! ولكنّها لم تلبث طويلًا..
جزيرة القراصنة ومائُة ختمة للنجاة - من كتاب حكايات أندلسية لأحمد محمد الشّرقاوي:
بعيدًا عن إشبيلية، في جامع قرطبه الكبير، كان أبو الأصبغ عيسى الغافقي يؤمّ الناس في صلاة التراويح، منّ الله عليه بحفظه لكتابه و بحسن قراءته له، و له قصّة مع القرآن و القراصنة عندما عزم أن يرتحل للبقاع الشّريفة للحجّ رواها لنا، إذ يقول:
“أبحرت السفينة من شواطئ الأندلس بأمان، ومرّت أيّامٌ وليالٍ، وقطعنا أميالاً، وكلّنا شوقٌ لبيت الله الحرام، إلى أن ظهرت سفينة قراصنة، فطاردت سفينتنا حتى تمكّنت من اللحاق بها، والدوران حولها للبحث عن أسهل طريقة لاقتحامها.
ثم قام القراصنة برمي الخطاطيف وشبكها في حبال سفينتنا وصواريها، ثم شدّ الحبال، لتلتصق السفينتان، ومن ثم بدأوا بمعركة من جانب واحد، إذ كانوا متأهّبين لذلك بسيوفهم وسهامهم، فعجزنا عن ردّ المعتدين.
استُشهد بعضٌ منّا دفاعاً واستبسالاً، وسرعان ما استولوا على سفينتنا، وقاموا بجرّها إلى جزيرة خاضعة لهم، ثم انتهبوا كلّ ما عليها من المؤن والبضائع، واقتادوا حجّاج بيت الله الحرام ومعهم من بقي حيّاً من طاقم السفينة وباقي ركّابها من التجّار وطلبة العلم إلى بيتٍ مهجور، تمهيداً لبيعهم في أسواق النخاسة.
كان البيت معدّاً لمثل ذلك، إذ هو بمكانٍ معزول، وله أبوابٌ موصدة بأقفال، وعلى نوافذه الضيقة قضبانٌ من الحديد.
ثم أخرجونا بعد أيامٍ لنعمل في حقولهم وبناء بيوتهم، مطمئنين أنّه لا مناص لنا ولا خلاص؛ فالجزيرة في ذاتها سجن، لا سبيل إلى الهروب منها إلا بسفينة، وأيّ سفينة تصل إلى هذا المكان غير سفن القراصنة، أو مراكب الصيد الخاضعة لنفوذهم!
طال مكوثنا في تلك الجزيرة المعزولة، حتى فقد كثيرٌ من رفاقي الأمل في العودة إلى ديارهم. دبّ اليأس إلى قلوبهم، ومات الأمل في نفوسهم، حتى صار حال رفاقي كحال ذلك الرجل اليائس، الذي تحطّمت سفينته، فتعَلّق بخشبٍ من حطامها، وقذفته الأمواج إلى شاطئ جزيرةٍ معزولة.
فنـظر ذات يوم إلى غرابٍ أسود، وحوله بركةٌ من القار الفاحم، فقال متشائماً:
إذا شاب الغراب بلغتُ أهلي
وصار القار كاللبن الحليب
فسمع منشِداً يقول:
عسى الكربُ الذي أمسيتَ فيه
يكون وراءه فَرَجٌ قريب
قال الشيخ عيسى: كنتُ متفائلاً طوال الوقت، مشتغلاً بقراءة القرآن وإقرائه لبعض أصحاب السفينة، وكنتُ أكثر الدعاء أن يفرّج الله عنّا وينجّينا من هذا الكرب، وقد بلغ اليأس بكثيرٍ من أصحابي مبلغه، وتمضي الأيام ويتضاءل معها أمل رفاقي في النجاة.
ثم إني هُديتُ لفكرة: لماذا لا أتوسّل بعملٍ صالحٍ ينجّينا من هذا البلاء العظيم؟
فكّرت في الأمر، ثم قررتُ أن أتوسّل بحفظي وتلاوتي للقرآن! وأيُّ عملٍ أعظم من ختم القرآن!
هنا قطعتُ العهد مع الله تعالى على أن ينقذني من الأسر بمائة ختمة، أختمها من القرآن العزيز.
مائة ختمة يحتاج الأمر ـ على الأقل ـ لثلاثمائة يوم، لو كان سيختم كلّ ثلاثة ليالٍ، بينما أنا في نهاري أعمل وأكدح.
كان تحدّياً صعباً، احتاج مني سَهَراً واجتهاداً.
وكنت كلما ختمتُ ختمة، أنهض إلى حائطٍ أبيض، فأخطّ فيه خطّاً دقيقاً بفحمةٍ سوداء.
فبينما أنا ذات يوم في السوق، أتممتُ ختمة، وكانت تمام الختمات المائة ـ دون أن أنتبه لذلك ـ رأيتُ طائراً جميلاً كان محبوساً في قفصٍ نحاسي، وقد انفتح له باب القفص، فخرج منه، ونفض جناحيه ونشرهما، ثم طار في الأجواء وهو يغرّد بصوتٍ يعبّر عن بهجةٍ وسرور.
فوقع في خاطري أن ذلك إعلامٌ من الله ـ عز وجل ـ لي.
فقمتُ مسرعاً إلى ذلك الجدار، ونظرتُ في تلك الخطوط، فعددتها فإذا هي مائة خطّ، ففرحتُ كثيراً، وأخبرتُ من معي من الأسرى بأن ساعة الفرج قد حلّت.
وخرجتُ موقناً بالنجاة في الليلة التالية، ومعي رفاقي إلى شاطئ البحر.
بعضهم كان يستبعد الأمر، ولكن أغلبهم تعلّق بهذا الأمل، وكما قيل: الغريقُ يتعلّق بقشّة.
وصلنا جميعاً إلى الشاطئ، وكانت مفاجأة في انتظارنا؛ وجدنا زورقاً، فتسلّلنا إليه جميعنا، وأبحر بنا بسلام، ونجّانا الله، ووصلنا إلى بلادنا سالمين، وعدنا إلى ديارنا وأهلينا بعد أن فقدوا الأمل في عودتنا، فكانت الأفراح والليالي الملاح.
والحمد لله رب العالمين. إنه القرآن، سفينة النجاة والعصمة، وحبل الله المتين.
عاش الشيخ المبارك عمراً مديداً، حتى بلغ الرابعة والسبعين من عمره، يُقرئ القرآن لسنواتٍ طوال، حتى أتى يوماً إلى مصلى بيته، وأخذ يتنفّل، فلما رفع رأسه من سجوده، وأراد النهوض إلى القيام، عثر في ثوبه، فسقط إلى الأرض ميتاً، ليُختَم له في مكانٍ سيشهد له، وفي وقتٍ كان بين صلاةٍ وتلاوةٍ وإقراء.
رحمه الله، وأحسن الله خاتمتنا”
تراه هل في رأسك علامات استفهام؟ أتريد أن تعرف لم هجى بن عمّار المعتمد، أم عن بقايا الولاّده التي في ابن زيدون؟ أتريد أن تعرف نهاية المعتمد؟ ربّما في قصّة قادمه!
كما قلتُ، عندما نحنّ، نحكي قصص أراضينا، هذا رثاء لأرض لم أعش بها، لزهور شجر اللوز، لجمال المروج، للعلم و الشّعر و الفطنة و الحكمة التي أنارت الأندلس.
هنا بعض مصادر القصص:



في النّص أخطاء إملائية، سأصحّحها بإذن الله، كتبته على عجلة قبل الدّرس 😅
احسنت 👏👏❤️