الجمال و المظاهر بين الأصالة و التشييء
رحلة في معايير متضاربة لتعريف الجمال بين الماضي و الحاضر.
أهلا أهلا!
تقول أسطورة أن نرجس كان فاتِنًا ،كان الجميع هائمًا به، مفتونًا بجماله، لكنه لم يجد تلك "سعيدة الحظ" التي تضاهيه شكلًا، فظلّ وحيدًا. وذات يوم، انحنى إلى النهر ليشرب، فرأى صورته تنعكس في الماء، فأُعجب بها. ولشدّة افتتانه، مال ليمسك بها، فسقط وغرق.
وكان ذلك، كما تقول الأسطورة، عقابًا إلهيًا على كبريائه وغروره. ومن حينها، نبتت في مكانه زهور جميلة سُمّيت باسمه: النرجس.
قصة ساذجة، شأنها شأن نظيراتها من الأساطير اليونانية القديمة..دعونا منها.
فالمهم هنا هو أن نرجس كان وجهًا جميلًا، بقصة تحمل في طيّاتها رمزية كثيفة، ولهذا شكّلت مادّة خامًا جذابة للفنانين التشكيليين عبر العصور. والمثير للاهتمام أن وجه نرجس، بل وحتى ما كان يرتديه عند موته، يختلف من لوحة إلى أخرى.
في لوحات العصور الوسطى، مثل لوحة كارافاجيو، يظهر نرجس بكامل لباسه، وملامحه البسيطة تميل إلى النموذج اليوناني الكلاسيكي. ذلك أن العُري آنذاك كان حكرًا على من يحمل صفة الألوهية أو القداسة. على عكس ما نجده في أعمال عصر النهضة، والتي أستحي أن أضعها هنا ولا أدعوك للبحث عنها ، تخلّى فيها الفنانون تمامًا عن ستره. ففي ذلك العصر، أصبح العري يُجسّد الكمال الجمالي، وتحوّل اللباس من رمز للحشمة إلى عنصر جمالي أكثر جرأة.
و هكذا يبدو لنا جليًّا أنّ معايير الجمال خاضعة للظروف الكرونوجغرافية. و هنا مربط الفرس!
"الذوق ليس بريئًا، بل يخضع للهيمنة الاجتماعية والاقتصادية."
-بيير بورديو
و لو كان الذوق مسألة متفردة بذاتها، لبقي ثابتا، لكننا نرى سطوة التأثير الاجتماعي عليه. و هناك أمثلة لا حصر لها لأشياء قبيحة اعتادت عليها أبصارنا و سرعان ما أصبحنا نعدّها ظريفة.
Many people have been pointing out our ongoing ‘crisis of beauty’, mostly focusing on architecture, interior design, but also the rise of plastic surgery and ‘-core’ aesthetics, transforming our everyday environment but also our perception of what people look or should look like into a capitalism-fueled cloning race. Everything looks the same, but the mold is boring, everyone is starting to look the same, but the template is dull.
نائلة -
الجمال و الأصالة و الحداثة:
عندما نتحدث عن الأصالة، في الغالب، أوّل ما نفكّر به هو المظهر الخارجي للشخص. عندما ينتمي شخصٌ ما لطائفة ما فعلى الأرجح، من السهل أن يتعرّف الآخرون عليه من خلال هندامه. و لكنّ هذا لم يعد قاعدة. القاعدة الجديدة بسيطة، كل مرة يكون هناك نمط معين رائج. بطريقة ما، نجد أنفسنا نميل إليه. بسرعة إلى السوق، نشتري ما هو شائع! لم يعد الشكل تعبيرًا عن أصالة الفرد إنّما دافعا لعجلة اقتصادٍ رأسمالي محض.
و هنا أستذكر شيئا فصّلت فيه نائلة في مقالها، فلو قارنّا ما نلبسه الآن بما كان يلبسه أجدادنا، نجد أننا فقدنا الكثير من الجمال! الجميع يتشابه اليوم، فالأذواق موحّدة، كذلك كان الناس من قبل، ولكن الجوهر قد اختلف، قماش أقل و تطريز و تشكيل أضعف، مع أنّنا نملك الآلة التي من الممكن أن تصنع ما كان يصنعه أجدادنا في أشهر.
أفهم أنّ الراحة شيء أساسي، و هذا بالذات حجة علينا لا لنا، لأن اللباس التقليدي أوسع، أنسب للفصل الذي يُلبس فيه، و غالبًا أجمل. لماذا إذا تخلّينا عليه؟
من منظور علم الاجتماع، فإنّ تراجع جمالية اللباس المعاصر مقارنة بلباس الأجداد لا يرتبط فقط بالتغيّرات الذوقية، بل هو انعكاس مباشر لتحوّلات أعمق في البُنى الثقافية والاقتصادية.
في السابق، كان اللباس يُصمَّم داخل نسيج اجتماعي مشبع بالرموز والمعاني، فكل قطعة تحمل بُعدًا طقوسيًا أو هوياتيًا، وتعكس انتماءً إلى جماعة أو سياق معيّن. التطريزات، الألوان، وأنواع القماش كانت رموزًا ثقافية ذات دلالة، لا مجرّد خيارات جمالية. لكن مع صعود اقتصاد السوق وهيمنة الرأسمالية الاستهلاكية، تغيّرت وظيفة اللباس: لم يعُد وسيلة للتعبير عن الانتماء أو الخصوصية، بل أصبح منتوجًا سريع الزوال، يُستبدل باستمرار لمواكبة ما تُحدّده الصناعة. سابقًا، كانت الأشياء تصنّع لتدوم، بدليل أنّ لباس أجدادكم أو حليّهم غالبا يُتوارث في العائلة، و لكن هذا لا يخدم المصنّعين، ولا الاقتصاد، ولا يخدمك أنت نفسك، البيع و الشراء لا بدّ أن يظلّ قائمًا كي تدور الأموال و لا تتركّد في يدٍ واحدة، و للوصول لهذا، من الممكن اللجوء للتلاعب بذوقك كي تشتري المزيد.
وفقًا لـ بيير بورديو، فإن الذوق لا يتشكّل في فراغ، بل يخضع لما يُسمّيه "العنف الرمزي"، حيث تُفرض أنماط معيّنة باعتبارها راقية أو عصرية، رغم أنها نتاج علاقات قوى طبقية واقتصادية. في هذا السياق، تنمحي الحدود بين الذوق الفردي والذوق المفروض، ويغدو اللباس خاضعًا لمنطق التماثل بدل التفرّد.
كما يذهب جان بودريار إلى اعتبار الموضة نوعًا من "المحاكاة الرمزية"، حيث لا يعكس اللباس أي جوهر حقيقي، بل يعيد إنتاج صور متكرّرة وفارغة من الأصل. الفرد هنا لا يرتدي "ما يُشبهه"، بل ما يُسوَّق له على أنّه مرغوب ومقبول.
نتيجة لذلك، أصبحت خياراتنا في اللباس ،وإن بدت حرّة، محكومة بآليات إنتاج جماعية تُعيد تشكيل الأذواق حول السرعة، الربح، والانبهار اللحظي. وهكذا، تضمر جمالية اللباس التقليدي المتأنّي، وتُستبدل بقطع بلا روح، لا تحكي شيئًا، ولا تمتّ لهويتنا بأي صلة.
"نعيش في عالم تُستبدل فيه الحقيقة بالمحاكاة، والجمال بالصورة."
-بوديار
التشييء:
الصورة المنفصلة عن الأصل:
أثناء بحثي عن معنى الجمال، صادفت طرح “الصورة المنفصلة عن الأصل” لبوديار، و هو يقول أنّ الصورة تمرّ بأربع حالات:
انعكاس للواقع حيث الصورة تعكس شيء حقيقي (مثلاً: لوحة بورتريه تُظهر شخصًا حيًا، أو منظرًا طبيعيًا أو انعكاس على مرآة).
تشويه للواقع بمعنى أن الصورة تغيّر الواقع، لكنها ما زالت مرتبطة به كالتلاعب بالضوء في الصور.
إخفاء لغياب الواقع الصورة توهم بوجود أصل، لكن الأصل غائب مثلا لو اصطنعت السعادة في اعلان لمنتج ما، و تحايلت لجعلك تتخيل أن شيئا ما بقدر من الجمال.
الصورة بلا أصل الصورة صارت قائمة بذاتها، منفصلة تمامًا عن أي واقع.
بديهي صحيح؟ المشكلة، أن إدراك أي حالة تقع فيها الصور التي نراها أصبح صعبًا، و هكذا، ندرج أشياء أقرب للخيال من الواقع لمعايير الجمال: بشرة زجاجية على مدار السنة بصرف النظر عن التغيرات الهرمونية، قوام جسم معين، و إن كان الوصول إليه طبيعيا ضربًا من الخيال. شعر كثيف برّاق.. إلخ.
و هذا تتولّد علاقة سمّية لنا مع مظاهرنا، خاصة أمام مفارقة أنّنا نرى أهدافنا التي نعجز عن تحقيقها جاهزة على الانترنت، عاد إنت و حظّك إذا كان الذي تراه نتيجة لعمليات ما أو فيلتر أو طبيعي.
الجمال لم يعُد تجربة فردية صادقة، بل صار مقياسًا اجتماعيًا قاسيًا؛ معيارًا للحب، للقبول، للظهور.
-ChatGPT
حسب دراسة لجامعة Wisconsin-Milwaukee (2021):
الأشخاص "الأكثر جاذبية" يحصلون على:
راتب أعلى بـ 12–17%
فرص توظيف أسرع بـ 20%
على قولتهم “pretty privilege”
و أكيد، بفعل العولمة الرقمية، لم تَعُد ملامحنا ملكًا لنا، بل أصبحت ساحة معركة بين “ما نحن عليه”، و”ما يجب أن نكونه” لنُقبل اجتماعيًا. الإعلانات، الفلاتر، والموضة لا تبيعنا منتجًا فحسب، بل تبيعنا صورةً لما يجب أن نبدو عليه.. صورة ما لهاش أصل، ولا نهاية.
وهكذا تُعاد صياغة الجسد في كل مرة، لا ككائن بشري، بل كمنتج بصري مؤقّت، دائم التحديث، قليل الرضا.
We now live in a society (and primarily in the West, and the influence it weaves through the fabric of cultures worldwide) that deems the body to be the adornment, the skin to be the adornment, your uncovered waist is the accessory, not any silver belt that carries centuries of craftmanship.
نائلة -
الحقيقة أن جمالية الانسان أصبحت تختزل بجسده، مع أنّ الأخير له خصوصية ما، لا مانع لنا اليوم لتضييعها بين صور تنشر في المواقع و لباس يظهر أكثر مما يستر. أخصّ هذا بالذكور و لا أستثن النساء، كلا الجنسين وقع في فخّ استعراض الجسد، لا كمجال حرية، بل كشرط للقبول. فبين من يُظهر عضلاته، ومن تُبرز منحنياتها، ضاعت الحدود بين التعبير الذاتي والتمثيل الاستهلاكي.
أن تظهر نفسك، يضرّك أكثر ممّا ينفعك، ولو أظهرت المعطيات عكس هذا. فأنت تهب نفسك مجّانًا للجميع. لا عجب أنّ النصوص الشرعية و الموروثات العرفية و الأخلاقية و حتى الفطرة تنافي ذلك.
في الأخير، أحبّ أن أختم بتذكير أن الجمال روح تُرى وقصة تُروَى. نسعى له كما نريده نحن ولا نحيى من أجله.
إِذا كانَ حُسنُ الوَجهِ يُدعى فَضيلَةً
فَإِنَّ جَمالَ النَفسِ أَسمى وَأَفضَلُ
-إليا أبو ماضي
دمتم سالمين!





للأمانة، المقال مستوحى أسلوبا و محتوى من مقالات نائلة، بشكل معرب. أصبحت أستمتع بها مؤخراً!