رسالة 8: ثُلّة من قصائدي المفضّلة
إلى غيم،
أتشعُرُ أحيانًا يا غيم أنّ بودّك إسكاتُ العالم أجمع و إسدال الستائر و إطفاء الأضواء، و تعليق لافتة “خارج الخدمة” أو “مغلق مؤقّتًا للصّيانة”؟ لأنّ هذا ما أمرّ به الآن.
في طفولتي، كنت بنتًا كثيرة الكلام، و البكاء، لدرجة أنّ جدّتي كانت تُسمّيني “الباكية” كأحد البنات اللاّئي كنّ في مدرسة سالي. و الآن، تقول جدّتي أن من كان ليصدّق أنّني أصبحت هكذا. كثيرة الشّرود، قليلة الكلام. و البكاء و الغضب عندي احتمالان بعيدان.
في الواقِع، لا أظنّني تغيّرت، ولكنّني فقط أصبحت أنتقي، من أكلّمه كثيرًا و ما أغضب و أحزن و أبكي عليه، و من قد أهتم لرأيه، و هذا يا غيم لا شيء سوى بندٌ من العقد الذي نوقّعه قسرًا إن كانت طفولتنا صعبة. لأصدُقك القول، لستُ مِمّن يحبّون الشكوى، لا أحبّ المغالاة في الحديث عن صدمات الطفولة كأنّها الآثم الوحيد في كلّ الجرائم. أنا يا غيم، كلاسيكية شرقية رجعية بامتياز، لا أحبّ أن أعوّد نفسي ولا من أحبّ على الهشاشة.
وسط أحلامي، التي لا أجرؤ أن أسمّيها وردية، بعضها سوداء، أخرى رمادية، و الكثير منها زرقاء، لأنّ الأزرق عندي لون الهدوء، تتغنّى بعض القصائد. تحبّ أن تسمعها؟
على فكرة، أميل للشعر الحديث، و لا أعلم إن كانت هذه الحقيقة ستجعلُك تمتعض منّي.
أوّل قصيدة، لتميم البرغوثي، كانت أوّل قصيدة أسمعها لتجرّني دونما سؤال لعالم القافية و البحور.
إذ يقول:
أَيَا يَاسَمِينُ التي مِنْ حَلَبْ
وَأَهْلُكِ تركٌ وَأَهْلِي عَرَبْ
وما بيْنَنَا رغمَ ما بيْنَنَا
سُيوفٌ تُسل ونارٌ تُشبْ
لِعَيْنَيْكِ سَامَحْتُ هَذَا الزَّمَانَ
وَكُنْتُ عَلَيْهِ طَوِيلَ العَتَبْ
أظنّك تعرفها، لا أعلم، أحبّ عندما قال:
وَلَمْ أَكْتُبِ الشِّعْرَ فِيكِ وَلكِنْ
أَحَبَّكِ مِنْ نَفْسِهِ فَانْكَتَبْ
أؤمن أنّ للكلمات عواطف، أتخيّلها كائنات صغيرة شديدة الانفعال تخرج من فم الشّاعر، لتذود عنه و عمّن لا يجرؤون عن التعبير.
أحبّ قصيدةً ثانيةً له، ليلى، في الواقع، أحبّ جلّ قصائده.
من القصائد التي أحبّها، تلك التي كتبها أبو العتاهية، إذ قال:
نأتي إلى الدنيا ونحن سواسية
طفلُ الملوك هنا، كطفل الحاشية
ونغادر الدنيا ونحن كما ترى
متشابهون على قبور حافية
أعمالنا تُعلي وتَخفض شأننا
وحسابُنا بالحق يوم الغاشية
أحبّ فكرة العدل الإلهي، أحبّ فكرة أنّ الظالم سيعاقب لا محالة، أحبّ فكرة الجنّة، و أطمع أن يجعلني ربّي الرحيم من أهلها.
أحبّ ما قالت سلمى فايد:
ضبابيون مفقودون بين الصلبِ والأزرقْ
إضافيون يرتادون مقهىً شاغراً
في طرف سور الوقت
فيشتاقون إن غنى فتىً لحناً رومانسياً،
ويرتاحون من أوجاعهِ فوراً إذا أخفى غناهُ الصمت
يصبّون النقودَ، العمرَ، والأحلامَ في حصالةٍ
حتى يعدّوها ويختالوا إذا لاحت عيونُ الموتْ
تماثيلٌ بلا نحتٍ،قناديلٌ بلا زيتٍ
وتجوالٌ أدام الحظرْ
كما شوكٍ على صبارةٍ في صوبةٍ،
أو موجةٍ في جرّةٍ،
أو عقربٍ في ساعةٍ مكسورةٍ يهتزُّ حول الصفرْ
حياديونَ .. يعتادون ما يحلو لدنياهم،
يطولُ الليلُ في إبريلَ نغفو مدّةً أكبر،
يطولُ الصبحُ في مايو سيغدو نومنا أبكرْ
وسيناءٌ ككالهاري ،كوادي الموتِ لا فرقٌ،
فلون الرملِ لا يبدو سوى أصفرْ
لا داعي للشرح، أكره أن أعيش.. “هكذا فقط”؟
الحقّ أقول، القصائد رفيقاتي، أحبّ الكثير الكثير منها، كفراقيّة ابن زريق، و ”بانت سعاد” لكعب ابن زهير، و تائيّة الألبيري، و “ورجوت عيني أن تكفّ دموعها” و “في مدخل الحمراء كان لقاؤنا” لنزار قبّاني.
أحبّ بعض الأبيات الأيتام التي لا أعلم من كتبها و من أيّ قصيدة جاءت. إذ قال شاعرٌ طالما بحثت عن اسمه:
و أكره في الرّجال أخا كلامٍ
إذا يسمو الرّجال سيضمحِلُّ
كلماتٌ كثيرة، ليست كالكلمات كما قال نزار قبّاني، كفيلة بالطّبطبة على من يسمعُها، تقول، لست الوحيد من يشعر، جميعنا خُذِلنا، و فرحنا و جُرحنا و نجحنا و فشلنا، و القصائد شاهدات على هذا. فالحمدلله لنعمة الكلمات.
ماذا عنك يا غيم، هل لك قصيدة مفضّلة؟



أبدعت كالعادة يا لين 🤍و بالمناسبة أعتقد أننا نتشارك نفس الذائقة الشعرية فكل القصائد التي ذكرتها في هذا المقال أعدها من المفضلة
نريد مقالات أكثر من هذا النوع 🤎
مبدعه 🤎