أتعرف شعور أن يكون المرء مبصرًا.. أو أعمى؟
أهلا أهلا! كيف الحال؟
العينان، "الحبيبتان" اللتان أكرمنا الله بهما، ولولا فضل الله لما ذُقنا نعمة الإبصار. فلله الفضل والمنّة.
ولأنّ النِّعَم مقسَّمة بين الناس بتقديرٍ وحكمة، فإنّ فينا من جعلهم الله أقوياء القلوب والعقول و البصيرة ، فأعصمهم من الخطيئة التي قد يجرّها البصر، {فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ}.
قصص قصص.. فما الحياة إلّا قصص تروى:
كان يا مكان، في مخيّلة الروائي البريطاني هربرت جورج ويلز، عاش قومٌ من بيرو هربوا من اضطهاد الإسبان إلى مكان ما في جبال الأنديز، حيث عاشوا في وادٍ خصب. ولكن حدث انهيار صخري أغلق عليهم المعبر الذي يوصلهم إلى العالم الخارجي، ثم إنّ وباءً ما انتشر بينهم وجعلهم جميعًا عميانًا. وتوارثوا العمى جيلاً بعد جيل، هذه هي "بلدة العميان".
لسببٍ ما، أخذت القصة منحًى سوداويًّا قليلًا قد راقني، إذ روى هربرت أنّ متسلّقًا اسمه نوينز قد سقط في الوادي أثناء إحدى مغامراته، ودون الخوض في التفاصيل، أدرك أنّه قد حطّ في بلد العميان، الذين بدورهم أدركوا أنّه مختلف، بل وظنّوا أنّه همجي. كانت نظريتهم أنّ أهدابه غير الضامرة دليل على أنّ شيئًا ما قد أصابه، شيء غريب وصل إلى عقله وأفسده.
ظنّ نوينز أنّ هذه فرصته ليعيش ملكًا، إذ أنّه يفوق أهل القرية بحاسّة، فطفق يبرز مهاراته البصرية.. بالمناسبة، كيف لشخصٍ مبصر أن يشرح البصر لقومٍ لم يُبصروا يومًا؟ مع الوقت، نستطيع أن نقول أنّه تقبّل فكرة أنّ الشعب الأعمى لا يصدّقه، وظلّ الشعب بدوره يحافظ على نظرته تجاهه.
وعندما أحبّ فتاة منهم وتقدّم لها، رفض أهلها تزويجه لأنّه "مجنون"! لكن الفتاة أصرت عليه، فكان اقتراح مجلس حكماء القرية أن يتزوجها بشرطٍ أن تُنتزع ما تحت أهدابه، والمقصود بذلك عيناه، ليُعالج عقله.
ترجّت الفتاة نوينز أن يقبل، ففعل، وخرج يتمتّع بعينيه للمرّة الأخيرة بجمال الطبيعة في الوادي. وهناك أدرك فجأة أنّه خاضع لشعبٍ يظنّه أعمى، وأنّه على وشك مقايضة بصره مقابل واحدة منهم. فجال ببصره في الأنحاء، ليجد منفذًا، ودون تفكير اتّجه إليه، وتسلّق وركض وجُرح وأُصيب، لكن بكامل رضاه، فقط لينجو من هذه الكارثة.
أظنّ أنّه نجى.
كالعادة، نستطيع تحليل القصة. و ما رأيته عندما قرأت الرواية، أن القوم لمّا اعتادوا العمى في بلدهم، فإن الإبصار استحال ضربا من أضرب الخيال، شيء لا يفهمونه. و الأعمى بهذا في مجتمعهم كان أعلى "رتبة" من المبصر. العمي هنا، قرّروا أن نوينز عاجز عن التفكير لإختلافه، كذلك الكثير من المبصرين، يسلّمون بعجز العمي عن القيام بما يقوم به المبصر. و كلّهم مخطئون. و هنا تصريح لفت انتباهي لفنّان أعمى اسمه كلارك رينولد في مقال عنه:
Two years ago, I was offered an artist residency, which is difficult for someone who is blind to achieve. (Usually that’s for “health and safety” reasons, because they think that if you can’t see, you can’t exit a burning building or climb up steps…)
فنحن بنظرتنا القاصرة نظلم من تختلف قدراته الجسدية عنّا بدعوى الحماية و المساعدة. كما أنّنا نتوقّع القليل دومًا تحت إسم هذا الإختلاف.
العمى و الابداع:
عندما تكون الثقافة الحارسة الأمينة، كثيرًا ما تتحوّل إلى مساحة آمنة للتعبير. في لحظات الحرب الخانقة، يظهر أنّ نداء الخيال الإبداعي عند الشخص الأعمى يكون أشدّ وأوسع، ولهذا نجد علاقة الأعمى وثيقة بالكتابة والشعر والمسرح. فقد كتب طه حسين إلى زوجته سوزان يقول:
"بدونك أشعر أني أعمى حقًا. أما وأنا معك، فإني أتوصّل إلى الشعور بكل شيء، وأمتزج بكل الأشياء التي تحيط بي."
It depends on who I’m speaking to. If it’s people who don’t know a lot about blindness, I’ll just say blind. If it’s people that do, then I’ll say visually impaired. But either is fine with me.
-JOHN BRAMBLITT
" هذه الكلمات لا تصف الحب وحده، بل تصف أيضًا كيف يتجاوز الأعمى حدود الظلام: ليس بالبصر، بل بالتماس دفء الآخرين، وبصوت الكلمة، وبقوة الخيال الذي يربطه بالعالم.
ولعلّ أجمل ما يعلّمنا الأعمى هو أنّ فقدان الحواس لا يعني فقدان الحياة. بالعكس، قد يدفعنا الحرمان إلى الانصات أعمق، إلى صقل حواس أخرى نغفلها نحن، وإلى إعادة اكتشاف أنفسنا بعيدًا عن صخب الألوان والأضواء."
جولة في عالم الخيال و الشعور
حكى أستاذ التاريخ بجامعة كاليفورنيا، روبرت هاين، في سيرته الذاتية (وهي سيرة فريدة، إذ عايش العمى خمسة عشر عامًا، ثم أُجريت له عملية جراحية فاستعاد بصره جزئيًا) عن حالات الاكتئاب التي تصيب غالبية المتعافين من العمى. فالمبصر حديثًا يعاني من تنظيم انطباعاته عن الحسّ الجديد، وتحمل مسؤولياته بوصفه مبصرًا، وربما ينزعج أيضًا من زوال الاهتمام أو التميّز أو الإعجاب الذي كان يحظى به سابقًا.
يشير هاين إلى ملاحظة دقيقة تولّد هذا الشعور المؤلم: فالأعمى كان يتخيّل والخيال ميدانه الأوسع، ما ينتظره من المباهج ولذّات العيون لو أبصر يومًا. فإذا أنعم الله عليه بالبصر، لا يجد الواقع كما تصوّره في خياله، بهيًّا برّاقًا؛ فيحزن بسبب خيبات الأمل التي يراها، بالمقارنة مع ما تخيّل، ومع مقدار ما فاته خلال سنوات العمى. وهو يعبّر صراحة عن شوقه لأيام العمى، ويذكر سببًا جوهريًا لهذا الشوق، وهو في الوقت نفسه أحد مصادر الكآبة بعد استعادة البصر، دور العيون في تشتيت الانتباه وفقدان التركيز، وصعوبة العثور على العالم الداخلي.
فالنفس في هذه الحالة يزداد اضطرابها "لوفرة المنبّهات المرئية الفائقة، والتيار المستمر من الانطباعات المتزامنة" كما يقول. وهذا أمر معروف، لكنه يغيب عن إحساس معظم المبصرين بسبب طول الاعتياد وتبلّد الذهن حياله. ولولا ذلك، لأدركوا أنّ انفلات البصر قد يبعثر النفس ويشوّشها. ألسنا نرى الإنسان إذا أراد أن يتذكّر شيئًا نسيه، يُغمض عينيه ويفكّر حتى يسترجع ما شرد من حافظته؟ كما يلاحظ صلاح الدين الصفدي (ت 764 هـ).
لكنّ حدّة هذا التشوّش عند من استعاد بصره بعد عمى طويل تكون أشدّ وأعظم بلا ريب. ومن الطريف في هذا السياق أن الفقهاء، حين اختلفوا في المقارنة بين إمامة الأعمى والبصير في الصلاة، ذهب الفقيه الكبير أبو إسحاق الشيرازي (ت 476 هـ) إلى أنّ الأعمى أولى بالإمامة؛ "لأنه لا ينظر إلى ما يلهيه ويشغله، فيكون أبعد عن تفرّق القلب وأخشع". والخشوع كما لا يخفى لبّ الصلاة ومقصودها.
ولهذا اختار بعض الفقهاء، من الشافعية وغيرهم، أنّه لا يُكره تغميض العينين في الصلاة لمن احتاج إلى ذلك. بل ذهب العز بن عبد السلام (ت 660 هـ) إلى أنّه يُندب التغميض لمن صلّى وأمامه ما يشوّش فكره ويفرّق قلبه؛ كزخارف السجاد والحوائط ونحوها.
أن تكون مبصِرًا:
« Laissez-les : ce sont des aveugles qui conduisent des aveugles ; si un aveugle conduit un aveugle, ils tomberont tous les deux dans une fosse » (Mathieu 15, 14).
ترجمة: "اتركوهم، فهم عميان يقودون عميانًا. وإذا كان أعمى يقود أعمى، فسيسقط الاثنان في حفرة." (متى 15:14)
أحبّ هذه المقولة، ولا أستشهد بما جاء بمتن متى كوني مسلمة ككلام مقدّس لما جاء في الإنجيل من تحريف.
المعنى الحرفي و المبطّن من العبارة، و التي دلّت عليها لوحة بيتر بريغل، واضح، لكن أعذرني، فأنا مزعجة أحبّ تكرير الكلام الذي ألمس أهمّيته. فالانسان إن عميت بصيرته و قاد غيره من العماة، أسقط نفسه و غيره في الهاوية!
و هنا تظهر أهميّة البصيرة، الإدراك، أن يتشبّع المرء بنفسه و عقيدته و مبادئه فتكون محرّكه الأوّل و الأهم. أن يعرف بها وجهته فيضعها نصب عينيه.. أم عساني أقول "نصب قلبه"، أن يعي المطبّات التي يمرّ بها و يدركها ببصيرته فيتداركها لا مهملاً لها و لا معطيًا لها فوق حجمها. أن يقود مبصِرًا رعيّته و مسؤوليّاته.
أقول، وأكرّر: {فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ}.
نحن عميٌ عن الواقع، نعيش في اللاشيء، في فراغٍ سرمدي، نفعل فيه الأشياء بلا إدراك، ثم ننساها بمجرّد أن تنتهي.
نحن نتعامى عن واقع المستضعفين، عن إخواننا في أرضهم، عن جراحهم التي تنزف ونحن نكتفي بالمشاهدة أو الصمت.
ولو عاشوا بيننا، لربما كنّا نحن العميان حقًّا، بعينين مفتوحتين وقلوبٍ مغلقة.
دمتم سالمين!








السرد الغير متوقع سلس بشكل عجييب جدًا من زمان ما قرأت ترابط أشياء كثيرة بهذا العمق فخورة بوجود إنسانة مثلك 🤍
ثاني مقال اقراه الج حتى ما اكدر اعبر من جمال كتابتج وطريقة سردج