الرسالة الحادية عشر: أنا و الفنّ عشرة عمر
إلى غيم،
الحادية عشرة ليلًا، شايُ البنفسج، قطّتي، والأرقُ الذي لم يفارقني منذ زمن. أُكلّم صديقتي عن فكرةٍ للوحةٍ أودّ رسمها، وتُغمرني هي بأفكارٍ كلُّ واحدةٍ منها تنتشلني إلى عالمٍ جديدٍ أجمل من الذي قبله. أتحيّن الفرصة لأجد شيئًا جديدًا يسحرني، ولو أنّني بهذا لن أمنح نفسي سوى سببًا آخر لأرقٍ أسوأ. أليس هذا وقتًا مناسبًا لكتابة رسالة؟
كلّما نكبر يا غيم، نفقد الرغبة في المشاركة. أنا مثلًا، دائمًا ما أتساءل إن كان الأمر سيختلف لو قرأ أحدٌ أعرفه ما أكتب، وخاصةً هذه الرسائل. هناك شيءٌ ما مزعجٌ جدًا في فكرة أنّ هناك من سيظنّ أنّه يعرفك. أتوافق؟ ولكنّ الفنّ شيءٌ مختلف، الفنّ هو أن تفضح ما بداخلك بحذافيره، فيفهمك الجميع، ولكن لا يفهمك أحد. أحيانًا أسمع القصائد فأرى نفسي فيها، ثم أسمع الشرح فأجد معاني أخرى لم ألمسها، ولكنّني أتمسّك بتفسيري، وأضمّها لنفسي كما أحبّ، لأنّها أصبحت ملكي الآن، قصيدتي التي أفهمها وتفهمني. كذلك الأمر مع الفنّ التشكيلي، كذلك الأمر مع كلّ شيءٍ يحمل وسم «فن».
أظنّ أنّ للفنّ مشكلتين، الأولى أنّه قد يشتمل على محرّماتٍ في كثيرٍ من الأحيان، وهنا يجب علينا تحكيم عقولنا. والثانية أنّ الإلهام له يدٌ عُليا عليه، والإلهام، إن لم تكن تعرفه يا غيم، كيانٌ مزاجيٌّ جدًا، يحبّ الهجر، ويعاقبك إن أسأتَ معاملته، فيغيب عنك أشهرًا وسنوات. الإلهام يحبّ الفضول، لا يحبّ العقول الاتّكالية أو المركونة بعيدًا والتي على وضع الطيران. أظنّ أنّه يحبّ الأطفال، لذلك أريد أن أحفظ الطفل الذي بداخلي. لا أريد أن تعتصرني عبثيّات هذه الحياة، ولو أنّ كلامي يبدو بعيدًا عن الحقيقة، الأطفال يركّزون كثيرًا وفي الوقت نفسه يتغافلون دون قصد. هم أشبه بكراتٍ بلّورية تحمل أفكارًا عشوائية تلوّنها، وتشعّ كلّما حلّت عليها واحدةٌ جديدة. هم فضوليّون.. ويا للأسف كيف أنّنا نفقد فضولنا كلّما نكبر!
هذا كلّ شيء يا غيم، أراكِ في رسالةٍ جديدة!


أعجبني طريقة سردك وانتقائك للكلمات جميلة
الله لين! مقالك بديع وافكارك وتساؤلاتك وإجاباتك كذلك بديعة جدًا