رسالة ليلة العيد
أهلاً أهلاً! كيف حالكم أعزّائي؟
ممتنّة جِدًا لكم! شكرًا لقِراءتكم و رسائلكم التي تصلني كلّ يوم، شكرًا لتشجيعكم و لو أنني لم أقدّم من الفائدة ما يقدّمه الكثير في هذا الفضاء. أشكركم لحسن ظنكم بي.
أرحّب أيضًا بالجدد! إن اختلطت عليكم الأمور، فإنّني أكتب أحيانا مقالاتٍ بأفكار مبعثرة، و أحيانًا، رسائل، لكلّ شخصٍ و لا شخص، آمل أن ترى نفسك في أحد رسائلي!
إلى شخصٍ ما،
تذكرُ آخر مرّة كتبت لك فيها؟ و الله و الأفكار ما كذّبت خبر، لم أجد ما أخطّه لك.. إلى أن تذكّرت دفترًا قديماً، كان يقبع في مكان ما في البيت، كتبت فيه يومًا، قبل حتى أن أملك هذه المدوّنة، أفكارًا لأشياءٍ أريد الحديث عنها. فهل تريدُ أن تسمع؟
النسخة الخام من كل شخص
تعرف أول قصة كتبتها أنامل بشرية، أو على الأقل، أقدم قصة مكتوبة وُجِدت؟
تذكر قصّة حدائق بابل من آخر مرة؟ سنبقى في العراق، لكن هذه المرة أقدم قليلا عن بابل، “أور” تقريبا ٢١٠٠ قبل الميلاد؛ “قصة جلجامش”. و لأنني لا أريد إدخال سيرة الألهة الباطلة التي عبدها الكثير في تلك الحقبة من الحضارة الإنسانية، أين عاشت بلاد الرافدين مجدًا تناساه الناس و طوته الحضارة الغربية قسراً و سرقت آثاره. سأقصّ عليكم القصّة بالتصرف: يُقالُ إن جالجامش كان مَلِكا مستبدًا و متعجرفًا، و لأنّه كان شديد القوّة لم يقدر عل عقابه أحد، فأُرسل رجلٌ بدائي اسمه أنكيدو ليواجهه و يقضي عليه.
جرت معركة دامية بين الطرفين، انتهت بفوز جلجامش و تحولهما إلى أعزّ الاصحاب. و بعد زمن من المودّة، مات أنكيدو، فحزن صاحبه حزنًا شديداً، ثمّ إنّ إدراكه لحتمية الموت جعله يقرر أن يفعل ما بوسعه للوصول إلى الخلود.
و هكذا أصبح جلجامش يسعى في الأرض ليبحث عن سرّ الخلود، إلى أن لقي رجُلا حكيما ( من المثير للاهتمام أن في القصة الأصلية هذا الرجل كان الناجي الوحيد من طوفانٍ حلّ بالأرض.. تذكركم القصة بشيء ما؟). و لما طلب منه أن يكشف له عن سبيل العيش الأبدي، حذّره من أنّه لن يقدر على ما يريد أن يقدم عليه، و لأنّه أصرّ، طلب منه هذا الأخير أن يمكث أسبوعا دون أن ينام.
حاول جلجامش، و بالطبع، لم يقدر! و هكذا، اكتشف أنّ الخلود الفعلي في هذه الدنيا غير ممكن، لذلك، بعد صفعة الوعي التي تلقاها، قرر السعي للخلود بأثره لا بجسده. فأصبح يسعى ليقدّم شيئا للإنسانية.
قصة جلجامش و غيرها الكثير من القصص، ما هي إلى سبيل ما لجعلنا نعي ضرورة الوعي. أن نعي نقائصنا فنصححها.
دائما ما يبدأ الأمر بشخصية بها عيب ما، تعيه ثمّ تغيره بالنهاية. لأننا دائما في رحلة وعي و تغيير لا نهائية و حتمية كوننا بشر.
و لأننا بشر، فإننا نتلهّف لنكون أبطالا، نحب أن نكون “الشخصية الرئيسية” أو على الأقل.. أن نحضى بالقبول.
يقول شات جي بي تي الحكيم:
حسب دراسة أجرتها جامعة كاليفورنيا، سانتا كروز (University of California, Santa Cruz) ونُشرت في Journal of Nonverbal Behavior:
80% من الضحكات التي نضحكها في المحادثات اليومية ليست بسبب شيء مضحك حقًا، بل بسبب السياق الاجتماعي.
هل هذا خطأ؟ برأيي لا.
الذكاء الاجتماعي أمر لابدّ منه. لن تضرّك ابتسامة تجود بها على من حولك فتنال بها ثواب و قبولاً. كفاية تكشير بقا!!
لكن ماهي شخصيتك الخام؟ ماهو الأنا الذي يظهر بينك و بين نفسك؟
هل هو البطل الذي يسعى لإنقاذ البشرية ليُخلّد اسمه مثل جلجامش بعد وعيه، أم هو جلجامش قبل وعيه، أم هو أنكيدو البسيط هل هو ما نتج عن صداقتهما أم أنك لست أيًا منها؟
ضرورة الفصل
و لأنّ الشخصية الخام تختلف عما نظهر بنسبٍ متفاوتة، و مع أنّ الأمر ليس بالضرورة سلبيًا، فإنّ أكثر ما يحضرني كلّما فكرت في هذا السياق وجوب فصل الدين عن المتدينين. و قبل أن ترمقني يا قارئ رسائلي بوابل من الشتائم و الأحكام، فإنني أقصد أنّنا لا يجبُ أن نبيح الشيء المحرمّ لأنّ أحد من الذين يبدون لنا صالحين وقع فيه. و أن لا نحكم على الدين، لمجرّد أنّ أحدًا ما قام بفعل بالغالب هو أصلا محرم.
لنرحم بعضنا، لأنّ الدنيا أصلا متعبة!
إعلم أن حتى “المتديّن” يمرُّ بعثراتٍ و فترات فتور، و يقع في الزّلاّت فجلّ من لا يخطئ. و الواجب لك أن تنصحه، لا تعيّره، و لا أن تبيح ما أتاه.
مغالطة الافتراض المسبق
في مقولة وجدتها لجون سيرل؛
“لا تُسلِّم بالأسئلة … حلِّل السؤال قبل أن تُجيب عليه.”
ذلك أنّ من المغالطات المنطقية التي أحسبها شائعة في مواقع التواصل، مغالطة الافتراض المسبق، أو السؤال المشحون. يعني، أن أناقشك في مسألة فرعية من موضوع أنت لا تقبله أصلاً، فتنشغل بالفرع و تنزلق فتتقبل الأصل بشكلٍ أو بآخر.
أحاول عصر ذهني للإتيان بمثال يشبهنا أكثر، لنكتفي بالمثال الشائع:
لو قيل لك: “هل توقفت عن التدخين؟” و أنت أصلاً لم تدخّن يوماً، لو قلت نعم، فهنا تؤكّد الفرض الباطل ضمنياً، و لو قلت لا فأنت تؤكده أيضا، بل و أنك تقول أنك لم تقلع عنه بعد!
كالعادة، لن تكون هنا خاتمة، لأنني لا أحبّ وضع الخاتمات.
عيدٌ مباركٌ مسبقًا!



كل عام وانت بألف خير، رائع ❤️❤️
لاحظت أنني كتبت إلى بدل إلا.. لعقلي قدرة رهيبة في تجاهل أخطائي عندما أكتب.