سوالف
أهلًا أهلًا!
الأسبوع الأوّل قد انقضى، وهذا في عقلي سببٌ كافٍ لكتابة مقال سوالف، كسوالف السنة الماضية.
عندما نخرج، يتسنّى لنا التفكير كثيرًا، أليس كذلك؟ تساؤلٌ هنا، ومقارنةٌ هناك، وشيئًا فشيئًا نكتشف عوالمَ أخرى في فلك شخصيّاتنا. ورغم أنّ الخروج ولقاء الآخرين في حدّ ذاته مرهق، إلّا أنّه مفيد..أليس كذلك؟
قصص، قصص.. فما الحياةُ إلاّ قصصٌ تُروى.
عندما بدأت الحرب الروسية الأوكرانية، أغربُ ما حدث هو أنّ جامعةً من ميلانو تخلّت عن كتابات دوستويفسكي التي كانت تُدرّسها، كنوعٍ من…“المساندة”؟ وهنا يا صديقي، يتسنّى لنا أن نضحك قليلًا على غباء الإنسان، إلى أن نتذكّر أنّنا أناسٌ أيضًا..مؤلم، أليس كذلك؟
هل يمكن أن نخلط بين روسيا بوتين وروسيا دوستويفسكي؟ حين يفقد العالم صوابه يحدث ذلك.
روسيا فلاديمير بوتين هي التي تتصدّر المشهد بجبروت الدبّابة التي تخترق الأراضي الأوكرانية. أمّا روسيا فيودور دوستويفسكي، فهي في الخلفية البعيدة، لا يُحييها إلّا من لا يُحمّل وازرة وزر أُخرى.
-روسيا بوتين وروسيا دوستويفسكي: “الجريمة” السياسية و”العقاب” الأدبي
بيد أنّ السياسة ما هي إلاّ ردودُ أفعالٍ لبشرٍ كُثُر، بانفعالاتهم ومشاعرهم وميولاتهم، فهي ليست وحيًا. لذلك فمن المثير للاهتمام النظرُ إلى كلّ كتلةٍ أو توجّهٍ أو دولةٍ على أنّها شخصيةٌ معنوية. وهنا قد نتفكّر في الكثير من الأنماط السلوكيّة التي ننتهجها. لستُ خبيرةً في علم السلوك، ولا في السياسة (للمفارقة!)، ولكن.. لنجرب.
إنفعالاتٌ مبالغٌ فيها:
دعني أخبرك، إن كان هناك شيءٌ نحن البشرَ نعشقه، فهو الانفعال الزائد.
“نحن نندّد بما يقوم به الروس!”، وفي لحظةِ حماسٍ عابرٍ، “تعالَ نمحُ كلّ أثرٍ روسيٍّ من مقرّراتِنا!”
“طيب، هذا كاتب عاش منذ قرنٍ!”
“هو روسي؟ خلاص، ملهوش قعدة معانا!”
كذلك يحدث نفس الشيء عندما ينتقل النّاس من حملةٍ ذات منفعةٍ عامّة لنزع السحر من القبور، إلى نزع نقاب امرأةٍ ظنًّا منهم أنّها ساحرة، أو إلى قتل شخصٍ ما عندما شبّ حريقٌ في مكانٍ ما، فقط لأنّه كان يحمل قارورةَ بنزينٍ في سيّارته، ليظهر بعدها أنّه جاء ليساعد على إطفاء النار، و أنّ البزين معه لأنّه قادِمٌ من بعيد..
نحن نغضب كثيرًا، ولا نحكّم عقلنا، لأنّنا تعوّدنا على إعطاء أنفسنا ما نريده، ولأنّنا نحبّ أن نبالغ.
لم يعد هناك من يغضب باعتدال، فالصّراخ والتحطيم واجب! لم يعد هناك من يفكّر أنّه كفايةٌ كمّيةُ الجدالات العقيمة والعراكات التي على الأغلب تعرّض لها الطّرف الآخر، وحتّى هو نفسه.
لم يعد أحدٌ في المواصلات يهتمّ إن كان يُزعج الآخرين بصراخه في الهاتف بسبب غضبٍ مبالغٍ فيه على أتفه الأسباب.
لم أعد أفهم كيف أنّ الناس يتغيّرون فجأة. الفرح مبالغٌ فيه ،هرجٌ ومرجٌ ورقصٌ مخلٌّ وأغانٍ بكلماتٍ مقرفة، والغضب مبالغٌ فيه، صُراخٌ وتحطيمٌ وإلقاءُ كلماتٍ جارحةٍ دون تفكير.
والحبّ مبالغٌ فيه، ملازمةٌ طوال الوقت دون تركِ متنفّسٍ أو غموضٍ يحتاجه المرء لنفسه، والترك مبالغٌ فيه، هجرٌ مفاجئٌ دون وداع، وتركُ الأبواب مفتوحةٍ كي ترتدّ بقوّةٍ إذا عصفت رياح الأحزان المفاجئة.
تراكماتٌ تراكمات، نراها رأيَ العين، تجعلني أتمنّى يومًا واحدًا يختفي فيه الجميع..أو أختفي أنا قليلًا، ليعمّ الصمت أخيرًا.
إن كنت ذكيًّا بما فيه الكفاية، قد تسأل نفسك: “هل زوّدتها؟”
كلّما انفعلتَ ثم تصلح ما أفسدته، وتكتب طريقة انفعالك وسببها في دفترٍ ما في عقلك، و تعود إليها كلّ مرة.
لا مؤاخذة يعني، الناس مش عبيدٍ عندك، ولا أحدٌ يستحقّ أن يتحمّل مزاجيّتك وانفعالك الزائد وصُراخك وغضبك أو جفاك وعقابك الصامت، ولا تعلّقك المتوتّر الزائد.
أكاد أجزِم أنّه لا يوجد منهجٌ ثابتٌ للصّحيح والخطأ في سلوكنا، عدا ما أمر به الشرع أو نهى عنه.
أتساءل إن كان هناك سبيلٌ لعيش حياةٍ لا مبالغةَ فيها؟
يكاد عقلي يُقسِم أن لا وجود لعلاقاتٍ دون اصطدام، ولكنّني مع ذلك أحبّ أن أقنع نفسي بأنّ الاعتدال أمرٌ ممكن، لذلك دائمًا ما كنتُ أبحث عن أناسٍ هادئين،
فرُبّما، كلّ ما نحتاجه هو أن نهدأ قليلاً.


