إلى من لا يفهمه أحد: سأصدمك! محاولتك للتخفي أكبر دليل على مكانك
أهلاً أهلاً، من اللّقاءاتِ الجميلةِ التي شاءَ الإلهُ أن تحدثَ دونَ مقدّمات، ذلكَ الذي حدثَ بيني وبينَ المرمرِ هنا. ويا للعجب، كم أننا كثيرتا الكلام! لا أحبّ فكرةَ أن أضخّمَ حواراتِنا، ولا أعتقدُ أنّ أحدًا قد يهتمُّ أصلًا. ولكن هنا حربُ أفكارٍ نشبت بيننا، خذ سيفكَ، واختر موقفًا تناصرُه، فالبشرُ مثلي ومثلكَ يحبّون الانتماء.. واتبعني.
السلامُ عليكم، محدثتُكم شخصٌ عاشقٌ لكونهِ التعريفَ الحرفيّ للكتابِ المفتوح، صحيحٌ أنّ الكتابَ قد يحملُ ألفيّ صفحةٍ أو أكثر، ولكنّ هذا موضوعٌ آخر، لنركّز على حقيقةٍ أن هذا يؤثّرُ على كلِّ رأيٍ ستسمعُهُ هنا، لذلك لا تجادلْ، وأنصتْ.
عزيزي الذي لا يفهمُهُ أحد، أما بعد..كيف حالُكَ؟
لديّ أسئلةٌ صغيرةٌ إليك:
هل تشعرُ بتعقيدِ عقلِك؟
هل تحملُ سردابًا كمتاهةٍ لم يستطعْ حلّها إنسانٌ تسميه طريقةَ تفكيرك؟
هل شرحُ هذه الأمورِ للبشرِ يُحبطك؟
إذا أجبتَ بنعم، أو لو أنكرتَ ثم جئتَ بكلماتٍ أُخرى تحملُ نفسَ المعاني، فأنا أُهنّئكَ، أنتَ تتحدّثُ مع من يفهمُ، ويرى الكثيرين ممن يعبّرون عن رغبتهم بالتخفّي والانعزال، لاعتقادهم الصادقِ بأن لا أحدَ قادرٌ على فهمهم بشكلٍ صحيح، وأنّهم معقّدون بطريقةٍ لا يمكنُ استيعابها من العقلِ الجمعيِّ أو من محبّي قلّة التفكير، وأنهم - مربطُ الفرس - يحبّون هذه الحقائق، ويحبّون كونهم مميزين ونادرين، لذلك غيرُ مفهومين. وأريدُ المبالغةَ بالقول: إنّ أغلب مالكي هذا التفكيرِ يرغبون بكوخٍ معزولٍ على سفحِ جبلٍ ما، حيثُ البحرُ أمامَهم باتّساع، والغابةُ وراءَهم بغموض، فيقفون هم على قمةِ العالمِ حاملين راياتِ الأدبِ الروسيِّ والأفغاني، وأخلاقِ الساموراي الأثير.
عزيزي الذي لا يرغبُ أن يفهمه أحد، تحيّةٌ طيّبةٌ، أنتَ لستَ معقّدًا، أنتَ تائهٌ. متاهةُ سردابك حديقةٌ مصممةٌ بإتقانٍ واضح، والبشرُ مُحبطون لأنك لا تشرحُ بطريقةٍ مفهومة، ولا تريدُ تصديقهم حين يقولون: "أجل، فهمت". فأنتَ، يا صديقي، تلفُّ وتدورُ وتعقّدُ الشرح، وتستخدمُ الكلمةَ الصعبةَ التي جاءتْ لكَ أولًا، بلا رغبةٍ في التفكيرِ في أبسطَ منها، لأنك تظنُّ أنّها الكلمةُ الوحيدةُ الصحيحة، ولأنك قد قرّرتَ مسبقًا عدمَ فهمهم لك، فلِمَ تحاولُ التبسيطَ أصلًا؟
الأشخاصُ المحبّون للغموض، والمقتنعون بتفرّدهم عن العالمين، من لا يتكلّمون أو يشاركون ما يفعلون بحجةِ عدمِ فهمِ أحدٍ لتجاربهم الخاصة ورحلاتِ حياتهم: الحقيقةُ أنَّ رغبتكَ بالتخفّي هذه هي محاولتُكَ للتميّز - مثلنا جميعًا - ولكن، يا عزيزي، لستَ مميزًا، أنا آسف، لا تخف، لا أحدَ مميز. هنالك ٨ مليارات في الكوكب، أتظنُّ حقًّا أنّك قد تأتي بطريقةٍ مميزةٍ أو جديدةٍ تُعبّرُ عنكَ - أو لا تُعبّر عنك - بطريقةٍ تجعلكَ تتخفّى؟
اعلمْ أنّك لا ترغبُ أن تكون "أحدَنا"، فأنتَ قطةٌ سوداء، أو غرابٌ، أو حيوانٌ ما لا يعرفه إلّا أنتَ وعلماءُ الحيوان. أترى يا صديقي؟ حتى الكائنُ المميزُ الذي تريدُ أن تُصبحَه، يعلمه أحدٌ غيرُك، بل وأشخاصٌ كُثرٌ درسوه وأحبوه حتى تراه أنتَ وتقول إنّه أنتَ في صيغةٍ أخرى.
حتى حينَ تقرّرُ أن تكونَ لا أحد، فهنالك الكثيرُ من المجهولين في العالم. حتى قرارُكَ بأنْ لا تكون، مليءٌ بأشخاصٍ آخرين قرّروا أن لا يكونوا أيضًا، فانحشرتم جميعًا في عالمِ الفراغ، وأصبحتم صفة، أصبحتم كائناتِ "اللا كائن"، وهو ما هربتم منه جميعُكم.
فليذهب التشابهُ للجحيم!
أذكر أنّني مرّةً في صباي قرأتُ روايةً تعلّمتُ فيها عن شفرةِ مورس، ويا للهول، كنتُ أرى نفسي أذكى طفلةٍ في الكون، ولكن سرعان ما ظهرتْ الأخيرةُ في مسلسلٍ كان الجميعُ يتابعه، فلم أعد البطلةَ التي ستنقذُ العالم إنْ حدثتْ عاصفةٌ شمسيةٌ قطعتْ وسائلَ التواصل. مخططي كان أن أعلّم الجميعَ الشفرةَ وأصبح بطلةً قوميةً، قد يمنحني الناسُ وسامَ شرفٍ أرفضه بلطفٍ لأظهرَ متواضعة، ويُبنى لي تمثالٌ في تقاطعِ طرقٍ ما، وبهذا آخذ شهرةً لا متناهية، ومالًا يعصمني من العملِ الشاق. تبًّا للسينما، وللتشابه، ولكوني لستُ الوحيدةَ التي تعرفُ شفرةَ مورس!
في الواقع، نحن نهربُ من تعريفِ أنفسنا، لأنّنا، زيادةً على أنّ الكلامَ في حدّ ذاته متعبٌ، لا نريد أن نواجهَ حقيقةَ أنّنا لسنا مميّزين، لا نريد أن نواجهَ الرّفض.
نُحبُّ الأنماطَ المبتذلةَ والأبراجَ المحرّمة وغيرها، لأنّها تقول إنّكَ عشوائيٌّ، صح، وعصبيٌّ، ومنفعلٌ، ووو..إنّما، إيه، مبدع! فنتغاضى عن الذي سبق، مقابل نشوةِ الظفرِ بالصفةِ الإيجابية التي تطمسُ سابقاتِها. قد أحدّثك عن أنّني أحبُّ الكتابةَ، ولديَّ فكرةٌ لمقالٍ خارقٍ قد يوصلُنا للسلامِ العالميّ، ولكنّني أخشى أن تسألني لماذا لم أطبّقْها، لأنّكَ بهذا ستعلمُ أنّني لم أفتحْ مصادري بعد، وتعلمُ أيضًا أنّني أتكاسل. في الواقع، لا أريد أن أعترفَ بهذا الجانبِ منّي، لذلك لا تسألني..ولا، أقولك، لن أكلّمك عنّي من البداية!
هكذا فقط، لا نريدُ خَطوَ أولِ خطوةٍ للتغيير، لا نعترفُ بأخطائنا، ومستحيلٌ طبعًا أن أدعَ طرفًا آخر يلمس شيئًا من ضعفي هذا. لا أريد أن أشعرَ بالضعف، أو أن أُرفض، أو أن يشفقَ عليّ أحد! نحن مثلُ صندوقِ باندورا، مليئون بالمشاكل، ولكنّنا نواري سوآتنا ببراعة، حتى مع أنفسنا. لن أُعرّفَ عن نفسي، لأنّني بهذا سأفتحُ الصندوق!
لا! لن يذهبَ التشابهُ للجحيم! سنذهبُ نحن، المتماثلون دون تكرار، إلى الجنّة!
ألا تعلمون أنّ شفرةَ مورس لغة؟ ما بالُ الناس لا يرغبون أن يُصرّحوا عن إعجابهم بلغة؟ اللغةُ العربية شفرةٌ أيضًا، ولكنّها شفرةٌ متعارفةٌ، ومتداولةٌ، ومتطوّرةٌ إلى لغة، كذلك الفرنسية، والإسبانية، والكورية... إلخ.
وسطَ رغبتكَ بالتميّز، والتفرّد، والخوفِ من مواجهةِ المجتمعِ بحقيقتكَ، أخبرتني ما يُفرّدكَ، بل ويجعلكَ جزءًا منّا أيضًا. نحنُ جميعًا خائفون! لذلك نشرح، لذلك أتكلمُ بالعربيةِ بدلَ مورس، ولذلك أُحاولُ جهدي هنا أن أمدَّ يدي لكم.
عزيزي الخائف، أجل، الشرحُ أحيانًا مُرهقٌ لنا جميعًا، إلّا أن إرهاقَ الشرحِ مرّةً يتبعه راحةُ التفاهمِ فيّ مرّة، وإرهاقُ الكتمانِ يتبعه إرهاقُ الكتمانِ أيضًا!
صدقني، لا أحدَ سيسألكَ عن حلِّ أزمةِ توزيعِ الثروات، الحقيقةُ أننا جميعًا نعلمُ الجواب، ولا تقلق، لا أحد منّا يفعلُ شيئًا بخصوصه. لو أنكَ قلتَ لي، لكنتُ عرفت. رأيت؟ كثرةُ الكتمانِ تجعلكَ كثيرَ الانتقاد. أنتَ خائفٌ أن لا يحبّك البشر، وخوفكَ هذا هو ما يملأنا جميعًا. بدل أن تهربَ للأنماط، اهربْ لرأيي عنكَ، فمقابل عشرين حسنةً سأذكرُ سيّئةً واحدة: أنّكَ خائفٌ، مثلنا جميعًا!
صديقي القارئ، الفارّ من التشابه أو الاعتراف.. أو الاثنين،
قد تجدُ في هذه الكلمات بعضًا منك. هل ستفرّ منها؟ لا بأس. لسنا هنا لنجامل هشاشتَنا، ولا لندينَها. نحن فقط نحاول أن نفهم، أن نضعَ إصبعًا على العقدة دون أن نحلّها بالضرورة، أن نعترف بأنّنا نخافُ أن نُرى كما نحن، ونختبئَ في تشابهٍ لا يُشبهنا.
ويا للعجب، كم يشبه هذا الاختباء الجميع!



مقال رائع !
من لا يُفهم ، لا يفهم.